صديق الحسيني القنوجي البخاري

62

فتح البيان في مقاصد القرآن

دلالة على تأخير هذا الجعل عن الاخراج لما أن مدلول الواو هو مطلق الجمع والمعنى جعل لكم هذه الأشياء لتحصلوا بها العلم الذي كان مسلوبا عنكم عند إخراجكم من بطون أمهاتكم وتعملوا بموجب ذلك العلم من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه . ونكتة تأخيره أن السمع ونحوه من آلات الإدراك إنما يعتد به إذا أحس وأدرك ، وذلك بعد الإخراج وقدم السمع على البصر لأنه طريق تلقي الوحي أو لأن إدراكه أقدم من إدراك البصر والأفئدة جمع فؤاد وهو وسط القلب منزل منه بمنزلة القلب من الصدر ، وقد قدمنا الوجه في إفراد السمع وجمع الأبصار والأفئدة وهو أن إفراد السمع لكونه مصدرا في الأصل يتناول القليل والكثير لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي لكي تصرفوا كل آلة فيما خلقت له فعند ذلك تعرفون مقدار ما أنعم اللّه به عليكم فتشكرونه أو أن هذا الصرف هو نفس الشكر . ثم ذكر سبحانه دليلا آخر على كمال قدرته فقال : أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ أي ألم ينظروا إليها حال كونها مذللات للطيران ، بما خلق اللّه لها من الأجنحة وسائر الأسباب المؤاتية لذلك كرقة قوام الهواء والهامها بسط الجناح وقبضه كما يفعل السابح في الماء فِي جَوِّ السَّماءِ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وإضافته إلى السماء لكونه في جانبها قال كعب إن الطير ترتفع في الجو اثني عشر ميلا ولا ترتفع فوق ذلك . ما يُمْسِكُهُنَّ في قبضهن وبسطهن ووقوفهن في الجوّ إِلَّا اللَّهُ سبحانه بقدرته الباهرة فإن ثقل أجسامها ورقة قوام الهواء يقتضيان سقوطها لأنها لم تتعلق بشيء من فوقها ولا اعتمدت على شيء تحتها إِنَّ فِي ذلِكَ التسخير على تلك الصفة لَآياتٍ ظاهرة تدل على وحدانية اللّه سبحانه وقدرته الباهرة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ باللّه سبحانه وبما جاءت به رسله من الشرائع التي شرعها . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 80 إلى 82 ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 80 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 82 ) وَاللَّهُ جَعَلَ أي صيّر أو خلق لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ التي هي من الحجر والمدر وغيرهما ومن ابتدائية سَكَناً مصدر يوصف به الواحد والجمع وإليه ذهب ابن عطية